|
انتصر ميشال عون، ولكن الأهم هو أن يعرف هذه
المرة كيف يحافظ على انتصاره. وباتت بعض العواصم
الغربية تستعد لاعادة النظر بعلاقتها به
وبنظرتها لمستقبل المعارضة، فالجنرال الذي اكتسح
انتخابات الاحد الماضي ليس من النوع الذي سيقتنع
بفوز نيابي وانما عينه تبقى على القصر.
ولكن
عون قد يحتاج في الوقت الراهن الى أمرين، كلاهما
صعب. فهو بحاجة الى رفع التهمة عنه بأنه أقام
تحالفا مشبوها مع السلطة واجهزتها، وبحاجة أيضا
الى تقديم ميشال عون جديد الى اولئك المتوجسين
منه خيفة نظرا لميل المغامرة السياسية لديه.
واذا
كان ميشال عون قد شكل حتى الآن، عامل قلق لعدد
من الدول الغربية الحالمة بتغييرات جذرية في
لبنان، فإن المعلومات الواردة من واشنطن تفيد
بان ممثلي التيار العوني في الولايات المتحدة
الاميركية سمعوا اشادة بما حققه من نتائج في
الانتخابات، وميلا لاعادة قراءة اميركية لخريطة
القوى السياسية.
وتتساءل أوساط غربية لها علاقة بلبنان عما اذا
كان عون قد عقد <<صفقة>> قبل عودته الى بيروت،
وعما اذا كان بعض شركائه في هذه الصفقة هم
بالضبط اولئك الذين كانت الدول الغربية، وفي
مقدمها أميركا وفرنسا، تعمل على ازالتهم في سياق
تطبيق القرار 1559 على أساس انهم رجال سوريا في
لبنان. وهناك لقاءات قريبة بين بعض ممثلي عون في
باريس مثلا ومسؤولين فرنسيين بغية تبديد القلق.
وينطلق هذا القلق أصلا من كون الجنرال الذي كان
على غرار دون كيشوت في السابق يحارب طواحين
الهواء، لا يزال حتى اليوم غير معترف بأحد، فهو
القائل بأنه المعارض الوحيد، وهو الذي يؤكد كل
يوم انه المبادر الوحيد في قرار إخراج السوري من
لبنان، ويريد بالتالي ثمنا باهظا لذلك حتى ولو
دك قرنة شهوان وفرّق المعارضة وأنهك صفوفها.
فالمعارضة بنظره مجرد حفنة من الخارجين من ركن
النظام او انها <<منتحلة صفة المعارضة>>، كما
أنه قادر على القول بانه دك حصون العديد من
الاقطاعيات والبيوتات السياسية وأحدث الاختراق
الاهم في هذه الانتخابات.
ولكن،
في مقابل ما يثيره عون من قلق، فإن عددا من
العواصم الغربية نفسها قد تفكر بأنه حصان جيد
لتسويات مقبلة؛ تسويات تتعدى الحسابات الضيقة في
لبنان لتصل الى ماهية المطلوب من لبنان المنبثق
عن اول انتخابات <<حرة>> في المستقبل القريب.
وتستند هذه الثقة الدولية المحتمل منحها لميشال
عون الى عوامل عديدة، أولها ان الرجل هو ضابط
منبثق من صلب المؤسسة العسكرية وقادر أكثر من أي
ضابط آخر في الوقت الراهن على استعادة ثقة الجيش
وتأييده لشخصه، فكثير من الضباط ينظرون اليه
نظرة ايجابية من منطلق مناقبيته العسكرية
وانضباطه ودفاعه الدائم عن هذه المؤسسة وسعيه في
السابق لأن يصبح فؤاد شهاب الثاني في لبنان.
وللجيش في لبنان المنبثق عن اول انتخابات
<<حرة>> دور مضطر للعبه عاجلا أم آجلا، فالقرار
1559 ينص عل نزع سلاح الميليشيات اللبنانية وغير
اللبنانية، وعلى بسط هيبة الدولة وسيطرتها على
كل الاراضي اللبنانية.
وفي
هذا السياق، تشير المصادر المقربة من الجنرال،
الى ان عون تعمد حين وصوله الى لبنان قادما من
باريس زيارة قبر <<الجندي المجهول>> قبل ضريح
الرئيس رفيق الحريري، وفي ذلك مؤشر واضح الى
تعلقه بالجيش قبل أي طرف آخر.
وثاني
العوامل، يتعلق بالساحة المسيحية الداخلية،
فلبنان لم يستقل تماما بعد عن الحسابات
الاقليمية، ولا بد من بقاء هذه الساحة غير
موحدة، فماذا لو خرج سمير جعجع من السجن، من
سيكون الطرف القادر على ضبط القوات اللبنانية.
أوَليس هذا جزءا من <<الصفقة>>؟
صحيح
ان الولايات المتحدة الاميركية كانت تعتبر ميشال
عون مغامرا وكادت تنعته بالجنون (وفق ما كتب
السفير اللبناني السابق في واشنطن عبد الله بو
حبيب في كتابه <<الضوء الاصفر>>)، ولكن الآراء
تنقلب والتوصيفات الاميركية ليست ثابتة، وميشال
عون لن يعارض في محصلة الامر تسوية سلمية مع
اسرائيل، وهو يضع شرطا واحدا لذلك هو الا تقضم
هذه التسوية اي شيء من مقومات السيادة
اللبنانية، او اي جزء من الاراضي اللبنانية. ألم
يكن في مقدمة المطالبين بفصل المسارين السوري
واللبناني؟
يستطيع ميشال عون ان يتحول الى حاجة دولية،
ولكنه بحاجة الى حلفاء، وهنا بالضبط يصبح دور
وليد جنبلاط كبيرا، فهو سيكون حجر القبان في
مرحلة التحالفات المقبلة لجهة الاستمرار في جعل
الجنرال مرتاحا في طموحه الرئاسي أو في زرع
الاشواك على دربه، ذلك ان جنبلاط قادر اكثر من
غيره على ابقاء الطرف المسيحي الآخر (قرنة شهوان
والمعارضين المستقلين وبعض اركان اليسار الجديد)
ممكن الحركة، بينما الآخرون وتحديدا حزب الله
وحركة أمل سيساعدون ميشال عون لو عارضوه،
فمعارضتهم ستعبئ حوله كل المقتنعين بان الجنرال
هو حامي المسيحيين وجسرهم لاستعادة دورهم.
هذه
المقدمات المنطقية لتغيير النظرة الدولية لميشال
عون، ستقترن في المستقبل القريب بحركة عونية
لافتة بغية جذب <<الشريك المسلم>>. وتفيد
الاوساط المقربة من الجنرال بأن <<التيار سيبادر
في المرحلة القريبة المقبلة الى تقديم مشروع
علماني ديموقراطي كفيل بشرح المفهوم الحقيقي
لمبادئنا التي لم تتغير>> رغم تغيير التحالفات
الطارئة.
وهنا
تشرح هذه المصادر مثلا ان <<النقطة السوداء>>
المتمثلة بالتحالف الحالي مثلا مع الوزير السابق
ميشال المر لم تأت أصلا من منطلقة قناعة عونية
داخلية، لا بل ان كثيرين من اركان التيار عارضوا
ضمنيا ذلك وان الجنرال عون اضطر اضطرارا لهذا
التحالف.
وتكشف
ان الأمر كان قد حُسم على هذا النحو بسبب تراجع
الرئيس السابق أمين الجميل عن وعوده، ففي خلال
اللقاء التمهيدي لانتخابات بعبدا وعاليه وكسروان
والمتن، حسم الجميل خياره لجهة تحالف الكتائب مع
جنبلاط من خلال انطوان غانم، فقال عون للجميل
<<لا يمكن ان نختلف في بعبدا ونتفق في المتن
الشمالي، ولنترك بالتالي اللوائح مفتوحة>>. وقد
تم الاتفاق على هذا الاساس، وقال الجميل لعون،
وفق مصادر الأخير، انه من المستحيل بالنسبة له
ان يسمي شخصا واحدا منتميا الى القوات اللبنانية
في المتن. وبعد أن تم الاتفاق على لوائح مفتوحة،
فوجئ عون بأن الجميل أقفل لائحته غداة اعلان عون
اللائحة وشعر بأن ثمة خطة مرسومة للقضاء عليه،
فكان أن قبل التحالف مع ميشال المر قناعة منه
بأن لدى المر قاعدة جيدة، وهذا ما حصل.
أما
بالنسبة لفشل التحالف مع جنبلاط، فترده مصادر
عون الى ان جنبلاط <<اراد حصر دورنا بالموارنة
ونحن قلنا له نريد ان نسمي من الجميع، لكنه أصر
على ان يعطينا 2 من الموارنة فقط يكون بينهما
شكيب قرطباوي رغم اننا قلنا ان بعبدا هي بالاصل
لنا ولا يمكن ان يكون عندنا فقط 2 من اصل 11>>.
ويستند تيار عون الى هذه الواقعة ليقول ان
الجنرال لا يريد ان يكون مجرد حام للمسيحيين
وانما يعمل على اساس وطني لا طائفي وان الآخرين
هم الذين يريدون تصويره على أنه مجرد ممثل لجزء
من المسيحيين.
وفي
ردها على ما يشاع عن صفقة جرت بين عون والرئيس
اميل لحود وبعض الاجهزة الامنية، تجيب المصادر
المقربة من الجنرال، بان البطريرك الماروني مار
نصر الله صفير كان في طليعة المدافعين عن بقاء
لحود <<فلماذا لا يوسم بانه عاقد صفقة>>. وتشير
الى ان عون لم يغير موقفه في هذا الاطار وانه
يعتبر ان على المجلس النيابي المقبل ان يقرر
مصير الرئيس وليس أي طرف آخر.
وعلى
كل حال، فإن المصادر المقربة من عون تكاد تجزم
بأن الوضع بعد الانتخابات قد يشهد تحالفات جديدة
ومغايرة لما هو قائم، فعون الذي يستعد حزبه
ل<<ورشة>> حزبية وسياسية كبيرة، يدرك ان الوصول
الى بعبدا لن يتم هذه المرة بمتاريس بشرية
وعسكرية وانما عبر السياسة، وهذا ما تبين أصلا
من خلال <<الصفقة>> التي اعادته الى لبنان.
ستكون
المرحلة المقبلة صعبة وفق ما تتوقع أوساط
أوروبية لها علاقة مباشرة بلبنان، فالنظام
اللبناني الحالي يبدو متجها لبعض الانتعاش بفضل
او بسبب عون، وبفضل او بسبب تفكك المعارضة. ولا
بد من اعادة توزيع الأوراق، ذلك ان الرهان الذي
كان قائما حتى الآن كان يستند الى التحالف القوي
بين جنبلاط وقرنة شهوان وآل الحريري، ويبدو ان
الانتخابات احدثت زلزالا خطيرا في هذا السياق،
ومن هنا بالضبط يمكن فهم حديث جنبلاط عن ضرورة
عدم سقوط <<الرفاق>> في القرنة.
السفير |