من <<القرنة النائمة>> الى <<الجنرال>> العائد مروراً ب <<مجموعة ال12>> ومعموديات النار ومرحلة التأسيس (2)
<<القرنة>> أغنى تجربة سياسية بعد الطائف.. بصلاحية تنتهي بعودة <<المخلص>>!


لقاء قرنة شهوان، من اختراع <<الشطارة اللبنانية>>. وقائع الأربعينيات الديموغرافية أنتجت ارجحية مسيحية في التركيبة السياسية الداخلية. لاحقا، كابر من كابر في الاعتراف، بأن شيئا <<كبيرا>> استجد ويستوجب تعديل صيغة المشاركة. واندلعت الحرب، من دون إغفال عوامل أخرى أبرزها الفلسطيني والسوري والإسرائيلي.

انتهت الحرب بتسوية لبنانية جديدة في نهاية التسعينيات، أعطت أرجحية إسلامية، في السلطتين التشريعية والتنفيذية. ثمة من احتج وثمة من قال <<هذا هو واقع البلاد ودعونا لا نكابر كما كابرنا في الماضي>>. قضية حساسة كهذه، واجهت <<القرنة>> على سبيل المثال لا الحصر. في لحظة ما انبرى من يقول من <<الميثاقيين>> بتفهم الوقائع <<رحنا ديموغرافيا يا إخوان، وهذه حقيقة لا يمكن الهروب منها>>. رد <<المسيحيون>>: <<هل تريدون تفكيك لبنان وجعله مثل باقي الكيانات؟ وجود مسيحي مثل مصر والعراق وليس حضورا مسيحيا. الوجود يقود المسيحيين إلى أحضان المسلمين. إلى أحضان المختارة وقريطم>>. زاد آخر وقال: <<كأنكم تريدون استنساخ تجربة المير فخر الدين المعني الثاني، عندما كان يتباهى كمسلم بفريق المستشارين الموارنة حوله>>.
في محاولات <<القرنويين>> مقاربة هذه القضية، انبرى من يقول بتأجيل مطلب السيادة والتحرير مقابل السعي لإعادة الأرجحية للمسيحيين، رد البعض بمضمون حنيني إلى لبنان القديم بأرجحيته المسيحية و<<وجهه العربي>>. وقال <<الميثاقيون>> ردا على هذا وذاك بأننا نريد لبنان بلدا سيدا ومستقلا وحرا ومتواصلا في الوقت نفسه مع المسلمين، أي تلازم السيادة والشراكة كما تلازم الوحدة الوطنية والعروبة.
لم يتوقف النقاش عند نقطة معينة ولن يتوقف. هل يحتاج التركيب الميثاقي اللبناني إلى إجماع كل واحدة من المجموعات اللبنانية (الطوائف)، أم يحتاج إلى نخب فاعلة في الطوائف تجمعها القراءة الميثاقية المشتركة؟ هل الاحتمال الأول أصعب ولكنه اثبت وأقوى أم العكس؟
هذه عينة من النقاش وليس النقاش كله. البعض يستشف منها استعدادا <<فطريا>> عند المكونات الأساسية ل<<القرنة>> باتجاه القبول بمفاهيم وصيغ للعيش المشترك والتوازن الداخلي تلائم المتغير الحاصل في لبنان. حتى إنه في المناخات الإسلامية، لم يكن سهلا مرور خطاب <<الميثاقيين>>. قيل عنه انه خطاب مسيحي. فكيف بخطاب أولئك المتمسكين بمسيحيتهم في العناوين السيادية وفي المستوى المتصل بالتسوية الداخلية؟ في المقابل، لم يحسب احد حساب <<الجنرال>> الآتي بدقة. خطاب علماني بامتياز. عشرون على عشرين في موضوع مكافحة الفساد. ولكن، الخطاب انعش في الذاكرة المسيحية، خطابا مسيحيا غاب طويلا، هل نتذكر قليلا مشروع الخطاب الذي لم يكمله عون في الثاني عشر من تشرين الأول 1990، يوم أعطت قيادة الحزب الشيوعي اللبناني <<الضوء الأخضر>> للشاب فرنسوا حلال بتنفيذ اغتيال لم ينجح، وذلك قبل يوم واحد من قرار إزاحة <<الجنرال>>. في ذلك اليوم، كان <<بيت الشعب>> مغرياً لآلاف الشبان والشابات. نعم بمقدور المسيحيين، اليوم، إنتاج زعامة طائفية بامتياز وبخطاب وطني أكثر امتيازا. مع <<الجنرال العائد>>، يتباهى المسيحي بزعامة تضاهي زعامة الشيعة والسنة والدروز <<ولا تكون التحاقية على شاكلة محمد بولس أو علي بطرس>>. مع ارتسام مشهد الزعامة الجديدة، قد يستطيع المسيحيون إنتاج شراكة حقيقية وقد لا ينجحون، ولكن ذلك يوفر لهم، اقله، الثلث المعطل في القضايا الكبرى. عود على بدء الطوائف وربما <<العسكر>>. البلد لا يحكم إلا بالاقوياء في طوائفهم وطالما اختار المسلمون زعاماتهم، فإن المسيحيين أيضا اختاروا قياداتهم وحتما صار ميشال عون الأول بينهم. هل يعني هذا الاختيار، رفع الحصانة عن قرنة شهوان أم أن القرنة كان يجب أن تصل في لحظة ما إلى طرح أسئلة وجودية غداة الانسحاب السوري التاريخي والإجهاز نسبيا على النظام الأمني الذي طالما شكت منه طويلا، وطرحت مقابله قضية السلطة البديلة؟
لعل الأسباب الموجبة للولادة القرنوية الرسمية في الثلاثين من نيسان 2001 كثيرة. أولها مجيء <<الجنرال>> إميل لحود إلى رئاسة الجمهورية، على الصورة التي أتى بها <<مخلصا>> للمسيحيين واللبنانيين وبخطاب وطني بامتياز. ثانيها، استمرار العلاقة المأزومة بين المسيحيين وسوريا. فراغ من غير الجائز في السياسة ان يبقى قائما. طرح <<اللقاء>> منذ لحظة الولادة قضية مد الجسور مع الشريك المسلم من اجل إيجاد تسوية تاريخية مع سوريا وإيجاد تسوية داخلية تحت سقف اتفاق الطائف.
عندما عاد صفير من زيارته الاميركية، في السادس والعشرين من آذار 2001، تكثّفت اجتماعات <<القرنة الخفية>> وبدأت تتواتر أخبارها إلى الصحف والمجالس السياسية وأجهزة الدولة الأمنية. البعض من المسيحيين، أمثال بطرس حرب وأمين الجميل، احتج وكان يرغب بالانضمام إلى <<اللقاء>>، لا بل طرحت فكرة توسيعه في الاتجاه الإسلامي. حسمت قضية مسيحية <<اللقاء>> أولا. من المؤسسين من قال إن <<مجموعة ال12>> قطعت شوطا كبيرا على صعيد اللغة المشتركة، التوسيع مسيحيا يعني العودة إلى نقطة الصفر. ردت الأكثرية بأن وجود البعض في <<القرنة>> قد يشكل إضافة سياسية إليها <<ويلزم هذا البعض أو يخفف الضرر الذي يمكن أن ينتج عن وجوده خارجنا>>. فتحت الأبواب أمام هؤلاء ولكنها أقفلت بوجه آخرين. البعض الآخر، عُرض عليه، لكنه خاف أو امتنع أو تردد أو انضم لاحقا. وهكذا نشأت <<القرنة>> في نهاية نيسان على خلفية حماية موقع البطريرك الماروني، تحديدا بعد النداء الايلولي الشهير.
أول من دفع ثمن الولادة العلنية، كان <<التيار الوطني الحر>>، فقد طلب ميشال عون من ممثله ضمن <<مجموعة ال12>> سامي نادر عدم توقيع الوثيقة التأسيسية والانسحاب احتجاجا على إعلان التمسك باتفاق الطائف. يومها، طرحت أكثر من صيغة لعدم استفزاز عون ولكن البعض وعلى رأسهم نسيب لحود أصروا على التحرك تحت سقف الطائف. ممثل <<الكتلة>> انطوان قليموس رفض التوقيع أيضا وانسحب.
طرح انسحاب العونيين و<<الكتلويين>> في تلك اللحظة المفصلية قضية جوهرية، تعمدت <<القرنة>> إما القفز فوقها أو الهروب منها. إذ إن مكونات <<القرنة>> قضية غير عادية. ليست إطارا حزبيا ولا مستقلا بالكامل. الفراغ قائم. السقف البطريركي يحتمل ائتلافا لشخصيات مسيحية مستقلة وقوى حزبية <<منضبطة>>، ولكن بأرجحية متعمدة لسيد بكركي تمليها قواعد العمل التوافقية. ثمة خوف ونقزة من ائتلاف الحزبيين ونفوذهم وفي الوقت نفسه، صعوبة في الاستغناء عن خدماتهم، خاصة في المحطات التي تحتاج لحضورهم في الشارع. حصل تعاقد قسري، وعندما طالبت <<القوات>> مثلا باستبدال ممثليها في <<القرنة>>، نام الطلب في الأدراج البطريركية سنة كاملة، ولم يفرج عنه إلا في <<الوقت الضائع>>. وقت ما قبل عودة <<الجنرال>> وربما ما قبل انتهاء مدة صلاحية <<القرنة>>. مسالة العضوية سحبت نفسها أيضا على من يتمثل في مطبخ <<القرنة>> العلني (أمانة السر)، ودائما كان هناك من يتوجس من استمرار <<القرنة الخفية>> واجتماعها برئاسة بشارة، خاصة في اللحظات المفصلية. تم تبني قاعدتين اساسيتين للعمل المشترك: أولا، أن لا تصدر القرارات إلا في إطار اجتماع عام، أي لا يستطيع طرف واحد الحسم ولا أمانة السر وحدها، ثانيا، أن لا تصدر القرارات إلا بالتوافق وليس على قاعدة الأكثرية والأقلية.
معمودية النار الأولى
استوعبت <<القرنة>> في الأسابيع الأولى لولادتها، الهجوم المضاد على <<النداء الأول>>. انصبت النيران عليها. في تلك اللحظة أمكن القول إن هذا التجمع السياسي المسيحي المعارض <<هو احد ابرز عناوين الحراك السياسي اللبناني منذ العام 1990 حتى الآن، ولكنه يحمل في طياته الكثير من عناصر التنافر، فإذا تغلب عليها استمر وإذا عجز فإنه ميت حتما>>.
لم تكن وظيفة <<القرنة>> هجومية بالدرجة الأولى، بل استيعابية إذا صح التعبير أو تشكيل <<خط دفاع جيد>> بالمعنى <<الرياضي>>. خط دفاع ينقل المسيحيين من موقع ردة الفعل إلى موقع الفعل والتأثير في المعادلة الداخلية. اخترق كل من وليد جنبلاط و<<المنبر الديموقراطي>> و<<ندوة العمل الوطني>>، حفلة التثوير والتخوين التي انطلقت في المقلب الآخر ضد اللقاء.
أول <<معمودية نار>>، واجهتها <<القرنة>>، جاءت بعد مصالحة الجبل. في 7 آب 2001، بدأ الهجوم السلطوي المضاد. قمع واعتقالات عشوائية ولمن نسي أن يتذكر مشهد تولية الأمنيين بالثياب المدنية مهمة قمع الطلاب والمحامين أمام بيت العدل في بيروت. انسحب الأمر على توفيق الهندي بوصفه <<الحلقة الأضعف>> في <<القرنة>>. ليس مارونيا. بل أقليات (سريان كاثوليك). <<القوات>> محظورة. تهمة إسرائيل جاهزة و<<لبيسة>> (قال مفوض المحكمة العسكرية في مطالعته آنذاك إن التهمة هي <<إنشاء تجمع يضم الأحزاب المسيحية المعارضة بناءً لطلب أوري لوبراني من أجل المطالبة بإخراج السوريين من لبنان>>)!
كانت مسألة الحوار مع رئيس الجمهورية قد نوقشت سابقا وسحبت من التداول. مع الهجوم المضاد، وبناءً لنصائح سيد بكركي، تقرر الاجتماع بإميل لحود وتسليمه مذكرة سياسية تدعوه إلى رعاية حوار وطني شامل. سرعان ما أجهض الحوار وبدا أن لحود ومن خلفه سوريا ليسا في وارد تقديم أية تنازلات.
الحادي عشر من أيلول حدث مفصلي. وليد جنبلاط يقرر إجراء تحول في خطابه السياسي. تراجعت عناصر الشراكة. رفيق الحريري في موقع المُحارب في السر والعلن، في دمشق كما في بيروت. نبيه بري يده على قلبه وموقعه، والحوارات <<الأكاديمية>> مع <<حزب الله>> من مونترو في سويسرا إلى <<اللقاء اللبناني للحوار>> في <<الجفينور>> ما تزال خجولة ومتقطعة جدا. العناوين الإقليمية والدولية تطغى. عوامل التراجع تكبر وتجعل <<القرنة>> موسمية أو تكتفي بالبيانات السياسية الدورية (<<أعنفها>> في كانون الأول 2001 ضد العرض العسكري الذي قام به <<حزب الله>> في الضاحية الجنوبية و<<أنعمها>> الترحيب بزيارة بشار الأسد <<التاريخية>> للبنان في آذار 2002).
معمودية النار الثانية
شكّلت انتخابات المتن الشمالي الفرعية في حزيران 2002 ثاني معمودية نار ل<<القرنة>>. فرصة للتعويم السياسي ولتقديم صورة جديدة غير مألوفة من قبل في الشارع المسيحي، وللهجوم ضد ميشال المر احد ابرز رموز السلطة. هو الرد المؤجل على هجوم المر المضاد في السابع من آب الألفين وواحد. فاز غبريال وكسبت <<القرنة>> عضوا جديدا، لكن الفرحة لم تدم طويلا وطارت النيابة بقرار دستوري، كان جزءا من هجمة ارتدادية صوّبت النار على <<القرنة>> سعيا إلى اغتيالها سياسيا هذه المرة. أقفلت محطة <<أم تي في>>.
حفل العامان 2001 و2002 بمحاولات لفبركة لقاءات طائفية مضادة وإنزال السواطير إلى الشارع واختراع <<اللقاء التشاوري>> (المسيحي)، وثمة محاولة بذلها عدد من القادة الأمنيين السياسيين لاختراع إطار مسيحي يضم رموزا حربية مسيحية كانت تعمل في الظل أبرزها جورج عدوان، ولكنها وصلت إلى حائط مسدود. جاء بعضهم إلى بكركي سائلا خاطر سيدها أن يسحب <<مطرانه>> من <<القرنة>>، وثمة من قال لهم <<اسحبوا رستم من عنجر ينسحب يوسف بشارة تلقائيا من القرنة>>! بلغت عملية التحريض ضد <<القرنة>> حد محاولة استخدام مؤسسة الرهبانية المارونية بأخذها في لحظة ما باتجاه سوريا. وصلت <<المواصيل>> ايضا إلى الفاتيكان. فُبركت قضايا وملفات وحصلت إغراءات من نوع الدعوة إلى زيارة دمشق <<لعلنا نعقد تسوية معهم يفرضونها هم على المسلمين>>، ولكن <<القرنة>> استمرت بقدرة وقرار مرشدها الروحي والسياسي وفي الوجهة نفسها. وكانت كلما أصابها الوهن، تحتاج إلى رعاية بطريركية استثنائية.
في العام 2003، ظللت الدماء الفلسطينية والزلزال العراقي المشهد العربي وصدرت مواقف تاريخية للبطريركية المارونية و<<القرنة>>. وبالكاد ينعقد اللقاء للاحتفال بسنويته الثانية، ومرت معركة بعبدا عاليه الفرعية بأقل تصدع <<قرنوي>> ممكن. العبرة يومها أن احد اكبر وأخطر الاستحقاقات الداهمة أمام اللقاء دائما هو الانتخابات بعينها. <<اللقاء>> وضع لنفسه أهدافا سياسية غير انتخابية ولكنه في عمقه ومضمونه وشعاراته طالما طالب بالسلطة البديلة. رئاسة وحكومة ونيابة. فماذا عن العام ألفين وأربعة الحافل بالمواعيد الانتخابية، بلدية ورئاسية والعام ألفين وخمسة الذي شهد تطورات متسارعة عجلت بإنجاز الروزنامة الأساسية ل<<القرنة>> ولكن في الوقت نفسه في تحديد مصيرها؟
(غداً الحلقة الأخيرة حول أي مصير ينتظر <<القرنة>>؟)

السفير

 

 

 

 


L I B A N V O T E
 
Details