الحص: آن الأوان لفتح ملفات الفساد ومحاكمة الطبقة السياسية

عد الرئيس سليم الحص لبنان "احد اكثر دول العالم فسادا في السياسة والادارة والمجتمع" ورأى ان الأوان آن لفتح ملفات الفساد على اوسع نطاق ومحاسبة المتورطين. ودعا الى الاستعانة بمنظمة دولية غير حكومية تتولى المهمة والى تأليف "هيئة لبنانية من الحكماء للتحقيق".

عقد الحص مؤتمرا صحافيا امس في مركز توفيق طبارة في الصنائع حضره النائبان السابقان زاهر الخطيب وميشال ساسين وعدد من اعضاء "منبر الوحدة الوطنية".

وتلا بيانا حمل عنوان "المحاسبة وملفات الماضي" وجاء فيه:

"اللافت هذه الايام تكاثر الدعوات الى فتح ملفات الماضي واجراء محاسبة شاملة عن البلايا التي اورثتها خمسة عشر عاما من الممارسات على يد الطبقة الحاكمة، ومن ورائها الطبقة السياسية، منذ وضعت الحرب القذرة اوزارها عام 1990. المطلوب بعبارة موجزة محاكمة الطبقة السياسية في لبنان.

نحن بلا ادنى تردد او تحفظ مع اجراء هذه المحاسبة. فان لم يحاسَب المسؤولون عن واقع زري آلت اليه حال البلاد والعباد، فلا اصلاح يُرتجى اليوم او غدا على اي صعيد.

اجهزة الاستخبارات اللبنانية والسورية كان دورها فاجرا في مسيرة الفساد والافساد، ولكن الحملة المنهجية المنظمة التي تشن هذه الايام لتحميل تلك الاجهزة كل تبعات هذا الواقع الرديء ما هي الا لصرف الانظار عن ادوار المسؤولين الحقيقيين عن هذه الاوزار والبلايا التي حلت، وهم الذين تولوا مسؤوليات الحكم خلال هذه الحقبة.

ناط الدستور السلطة الاجرائية تحديدا بمجلس الوزراء. وقد تعاقب على السلطة حكومات لها رؤساؤها ووزراؤها. هؤلاء هم المسؤولون دستوريا، ولو انه كان لهم شركاء، معهم متواطئون، ومن فيء الحكم مستفيدون. فالحكومات اساسا مسؤولة دستوريا عن اداء الحكم سواء بسياساتها وممارساتها مباشرة او بسكوتها او اغفالها او استسلامها او عدم تصديها. ومجلس النواب شريك كامل للحكومة في مسؤولياتها. فهي تنبثق منه وتعيش على ثقته. يقال ان رئيس الجمهورية عرقل وان رئيس مجلس النواب شارك عبر بدعة ثلاثي (ترويكا) الحكم. هذا لا يعفي الحكومات من مسؤولياتها، فهي غير مضطرة الى الرضوخ لعرقلة او القبول بمشاركة في حال من الاحوال. ويقال ان اجهزة الاستخبارات تدخلت في شؤون لا تعنيها، وهذا لا ينفي مسؤولية الحكومات عن اجهزة الاستخبارات بتكوينها وادائها وممارساتها. ويقال ان الادارة حالت دون الانجاز بفسادها وعقمها وتسيبها، ولكن هذا لا يحل الحكومات من مسؤوليتها عن الادارة واصلاحها. وأنا شخصياً كنت على رأس احدى تلك الحكومات (مابين 1998 و2000)، واضع نفسي واعضاء حكومتي في تصرف التحقيق مرحبا بفتح كل ملفات تلك الحقبة.

المحاسبة المطلوبة يجب ان تأتي باجابات حاسمة عن اسئلة محددة تراود كل مواطن: من المسؤول عن الدين العام المتفاقم، ومن المسؤول عن الفساد والافساد، ومن المسؤول عن استشراء المذهبية والطائفية؟ ومن باع نفسه لجهات خارجية فكان سببا لكوارث في بلده؟

كيف تراكم الدين العام الى حدود اربعين مليار دولار، فأوقع مالية الدولة في حلقة مفرغة بين عجز مستحكم ودين متعاظم، علما بان الدين العام مرشح للتصاعد المستمر سنة بعد سنة باستمرار عجز الخزينة العصي. الدين العام كان يبلغ اقل من مليار دولار عام 1990. فكيف قفز الى حدود اربعين مليارا بعد خمسة عشر عاما من دون ان تعترضه محاولات جدية لوقف التدهور؟ يقال ان هناك من افتعل عقبات عند محطات معينة، ولكن ماذا فعلت الحكومات لتذليل تلك العقبات، ولماذا سلّمت بالهزيمة واستمرت؟ ليس ما يعفي الحكومات من مسؤولياتها.

على صعيد آخر، اضحى لبنان احد اكثر بلدان العالم فسادا، حيث الفساد مستشر في السياسة والادارة والمجتمع، ولم يسلم منه حتى القضاء. هذا بلد اضحت فيه الرشوة اشبه بمؤسسة ونمط حياة، مسلما بها تحت تسمية ملطفة هي المال السياسي. فبفعله بات الصوت في الانتخابات النيابية اشبه بسلعة تباع وتُشرى، وبات المقعد النيابي له ثمن لا يحتمله الا القادرون او من يحظى برضى القادرين، وبات للمسؤولين، سياسيين واداريين، قصور منيفة، وليس من يسأل كيف هبطت تلك النعمة عليهم وكثرة منهم معروفون باصولهم المتواضعة ماديا، من المسؤول عن تعطيل هيئات المساءلة والمحاسبة والرقابة في الادارة، لا بل من المسؤول عن افسادها؟

المال السياسي الى حد بعيد مسؤول. هذا المال تكتنزه قلة من الاثرياء، بعضهم تبلغ ثروة الواحد منهم ما يوازي نصف مجموع الدخل القومي اللبناني. وهم لا يتورعون عن استخدام امكاناتهم الفائقة في خدمة مصالحهم الذاتية. قطرات يسيرة من ثرواتهم الخيالية كافية لاستيعاب قيادات امنية استخباراتية، ولمصادرة ارادات سياسيين وقراراتهم، ولشراء مقاعد وزارية او نيابية، والقبض على اقلام اعلامية وصحف وشاشات تلفزيونية، وهي بالطبع كفيلة بفتح ابواب استيراد وتصدير، والاستحصال على رخص واجازات في الصناعة والتجارة والبناء. لا بل هي السبيل لتسخير الشرفات والمداخل والجدران والسيارات للصور واللافتات واطلاق التظاهرات والمسيرات في حملات انتخابية غير متكافئة.

ثم ان بلدنا اضحى وطن المذهبية والطائفية بامتياز. كان دوما كذلك وما زال. وقد بلغ الفرز الفئوي ذروته خلال الحرب القذرة مع القصف العشوائي والذبح على الهوية والتهجير الجماعي. فجاء اتفاق الطائف ليشخّص المرض ويقدم وصفة متواضعة للمعالجة. فكان تجاهل كلي لهذه الوصفة وامعان في الممارسات الفئوية المتمادية على كل صعيد، حتى بلغ الشحن الفئوي اقصاه اليوم. المواطن يعرف من الذي عزف على اوتار المذهبية والطائفية فأطلق العنان لها على الغارب، ويعرف من الذي احترف الشحن المذهبي والطائفي سعيا وراء مآرب آنية رخيصة، ويعرف من الذي ركب الموجات المذهبية والطائفية طلبا لمجد زائف. المواطن يعرف كل هؤلاء ولكنه في حاجة الى من يعبّر عنه في كشف الحقيقة. هؤلاء ارتكبوا جرائم في حق الوطن والمواطن، والتحقيق يجب ان يميط اللثام عنهم.

هذا مع العلم ان الطائفية اضحت بمثابة درع للفساد، اذ اضحى كبار الفاسدين يحتمون بطوائفهم في اتقاء اي ملاحقة او مساءلة او محاسبة. وكان منتهى التقهقر في ظاهرة توزع السواد الاعظم من الطبقة السياسية على تشكيلات سياسية ذات طابع طائفي لا بل مذهبي فاقع.

ثم ان لبنان كان ولا يزال مكشوفا على تدخلات من الخارج، من جانب اجهزة اجنبية، فلم يتورع البعض عن الارتهان لارادات خارجية. فارتكبت جرائم في حق الوطن عبر هذه السبل، كان بعضها في حجم الخيانة العظمى. من كان هؤلاء، وماذا جنت ايديهم؟ ثم اي دور كان لبعضهم في اعمال التفجير الآثمة التي وقعت فقتلت من قتلت ودمرت ما دمرت؟

يؤلمنا ان سياسيينا عودونا التهافت والتدافع والهرولة في المطالبة بالعفو العام او بالافراج عن محكوم عليهم قضائيا، ولكنهم يلتزمون جانب التعفف والاحجام والترفع عندما يتعلق الامر بمحاسبة المسؤولين عن تجاوزات وفضائح وحالة من الفساد المستشري آلت الى الواقع المشكو منه اليوم.

آن الاوان ان تفتح هذه الملفات على اوسع نطاق. المحاسبة يجب ان تكون شاملة ودقيقة وفاعلة. ولكن السؤال يبقى: من الذي سيجري هذه المحاسبة؟

لا يؤتمن على هذه المهمة الجسيمة اي من الذين تولوا المسؤولية في الماضي، ولا اي من اركان الطبقة السياسية التي عاثت في البلاد فسادا وخرابا، ولا اي ممن يمت الى هؤلاء بصلة من قريب او بعيد. والقضاء لم يثبت يوما انه استطاع ان يتحدى اهل الحكم والسياسة، ناهيك بادانتهم.

اننا نرى ان لا بد من الاستعانة بمنظمة دولية غير حكومية للقيام بالمهمة، من تلك المنظمات المشهود لها بالنزاهة والموضوعية والحصانة، من مثل منظمة العفو الدولية.

ولكن المحاسبة الحقيقية تبقى في جانب منها ذات طابع سياسي، وهذا ما لا قبل للمنظمات الدولية به. لا بد اذاً من تأليف هيئة لبنانية عليا من الحكماء للتحقيق. من الطبيعي ان يختار اعضاء هذه الهيئة المجلس النيابي الجديد، ويمنحها اوسع الصلاحيات فهل سيفعل؟ وان فعل فهل سيحسن الاختيار بمنأى عن الاعتبارات السياسية والمصلحية؟!".

ودار حوار بين الحص والصحافيين:

تدعو الى المحاسبة والمساءلة، كما العماد ميشال عون والنائب السابق نجاح واكيم، فما هي نقاط الالتقاء ونقاط الخلاف بينكم؟

- نحن نلتقي مع العماد عون على هذا الموقف وعلى مواقف اخرى ايضا، ولا مانع من الالتقاء في يوم من الايام، واعتقد ان العماد عون سلك خطاً هذه الايام في المبدأ لا شائبة عليه ويجهر بموقف وطني لا طائفي ويطالب بالمحاسبة عن ملفات الماضي ويطالب بمكافحة الفساد، ونحن نلتقي على كل هذه المواقف معه ومع سواه، اما بالنسبة الى نجاح واكيم فهو من اعضاء منبر الوحدة الوطنية وملتزم معنا الموقف.

وردا على سؤال قال: "لبنان يعيش حالا من التدويل الواسع هذه الايام، تتجلى في لجان معينة، كان منها لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ولجنة التحقيق من الانسحاب السوري من لبنان، ولجنة المراقبة الدولية على الانتخابات النيابية، فالوضع في لبنان مدول جدا بهذا المعنى، ولا شك ان هذا امر مؤسف، ولكن في قضية الجرائم انا كنت من الاوائل الذين طالبوا بلجنة دولية للتحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ذلك لان في لبنان تجارب تتعلق بجرائم موصوفة ارتكبت في الماضي واودت بحياة شخصيات تاريخية مرموقة في لبنان، ولم يجد التحقيق الداخلي في لبنان في ملامسة تلك الجرائم ولم يحدد المسؤوليات في اي منها، وربما فقط في جريمة واحدة هي جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رشيد كرامي وما عدا ذلك، فان كل الجرائم اكتنفها الغموض والمجهول. وبرهن لبنان عن عجزه عن التحقيق في جرائم القتل الكبرى فكان لا بد من اللجوء الى لجنة دولية للتحقيق في هذه الجريمة بالذات".

تطالب بلجنة العفو الدولية، وهي منظمة غير حكومية؟

- انا اطالب بفتح ملفات الماضي والاستعانة بمنظمة العفو الدولية، وهي منظمة غير حكومية، فانا لا الجأ الى الامم المتحدة ولا الى دولة اجنبية، انما الى منظمة غير حكومية، وهذه من مهماتها، ومن الطبيعي ان نستعين بها، ولكنني لم استغن عن لجنة حكماء من اللبنانيين ليتابعوا هذا الموضوع في الجانب الداخلي ولاسيما السياسي منه.

ماذا حدث في التحقيق في المحاولة المشؤومة للاعتداء عليك؟

- لقد تعرضت لمحاولة اغتيال عام 1984 عبر تفجير سيارة، توافرت لي كل المعطيات حول هذه القضية، وحدد لي المسؤولون بالاسماء، وابلغني القضاء عنهم جميعا بمذكرة خطية، ولم يحصل شيء، والتحقيق لم ينته ولم تتم ادانة احد او معاقبة، فهناك قصور وعجز عند القضاء اللبناني في هذا الموضوع.

لقد شهدنا مرحلتين من الانتخابات النيابية، واظهرت النتائج عدم تغير شيء عن الانتخابات السابقة فهل تتوقع ان تكون الانتخابات المقبلة على الايقاع نفسه؟

- لم اتوقع اي تغيير، وتحدثت عن نتائج الانتخابات قبل بدء الجولة الاولى، واتوقع ان تجدد الطبقة السياسية لنفسها في هذه الانتخابات. وعندما نتحدث عن الطبقة السياسية لا نقصد كل السياسيين الذين يعملون في هذا الحقل، وحصلت تغييرات في الاسماء في بيروت والجنوب، اما الواقع فان لبنان محكوم عمليا بعدد من السياسيين التقليديين وهؤلاء لم يتغيروا، فرموز الساحة السياسية لم يتغيروا ولن يتغيروا في المستقبل المنظور. فالطبقة السياسية لم تتغير اما الآخرون فهم اتباع، وهم لا يشكلون طبقة سياسية واما من يشكلها فهم قلة، وفي هذا المعنى لم نتوقع اي تغيير في الطبقة السياسية، اما في المرحلة المقبلة، فيبدو كما قال احدهم ان الانتخابات ستبدأ الاسبوع المقبل، بمعنى ان جولتي بيروت والجنوب لم تكن المنافسة فيهما جدية، ولكن على صعيد الجبل والشمال، والى حد بعيد البقاع، فهناك منافسة جدية. فالانتخابات تبدأ فعليا الاسبوع المقبل، ستكون هناك معارك طاحنة، ولكن سلفا نقول ان الرموز لن تتغير.

هل تدعم في الانتخابات المقبلة العماد عون وتدعو الناس الى انتخابه؟

- لا اريد الدخول في المعركة الانتخابية ولا علاقة لي بالانتخابات، والعماد عون مرشح للانتخابات ولديه لوائح في مختلف المناطق، وانا لا علاقة لي بالانتخابات".

 

النهار

 

 

 

 


L I B A N V O T E
 
Details